
مانشيت – الخرطوم
سارة الوليد
اختتمت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) اليوم زيارة عمل ميدانية مكثفة للسودان استمرت لمدة أسبوع، تُوجت بمؤتمر صحفي ختامي في فندق السلام روتانا بالخرطوم، شهد توقيع “الإطار البرامجي القطري” للفترة من 2026 إلى 2028، وذلك بحضور الدكتور عبد الحكيم الواعر الممثل الإقليمي للمنظمة للشرق الأدنى وشمال إفريقيا، والسيد هونج يانغ ممثل منظمة الفاو في السودان، والدكتور عصمت القرشي وزير الزراعة والري، إلى جانب عدد من المسؤولين الحكوميين وممثلي وسائل الإعلام.

جولة ميدانية لدعم صغار المنتجين :
شملت الزيارة محطات ميدانية هامة في ولايتي الجزيرة وسنار، حيث اطلع الوفد على واقع القطاع الزراعي والحيواني والتقى بالمزارعين والمزارعات والرعاة والشباب. وفي ولاية سنار، قدمت المنظمة ثلاث عيادات بيطرية متحركة لمختبر الصحة البيطرية، في خطوة تهدف إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر للأمراض العابرة للحدود وحماية الثروة الحيوانية. وتضمنت الجولة إطلاق حملات مكثفة لتوزيع البذور والتقاوي للمواسم الزراعية، وحملات تحصين للماشية، وهي جهود أكد الممثل الإقليمي أنها تأتي استكمالاً لتدخلات المنظمة المستمرة منذ عام 2023 لتمكين المزارعين من الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

لقاءات الوفد مع القيادات الحكومية:
تخللت الزيارة لقاءات هامة للوفد مع قيادات الحكومة السودانية، شملت وزير الزراعة والري، ووزير المالية، ووزير الخارجية، ومحافظ البنك المركزي، بالإضافة إلى المسؤولين المعنيين بقضية الاستثمار في قطاع الزراعة والري والثروة الحيوانية والسمكية التي تمس حياة السودانيين في الحاضر والمستقبل. كما التقى الوفد بالقيادات في ولايتي الجزيرة وسنار، بما في ذلك الفريق المصاحب لهم في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والري، والتقوا بمحافظ مشروع الجزيرة للاطلاع على التحديات التي تواجه المشروع، مؤكدين أن ما بين الجزيرة وسنار يمثل ثقلاً زراعياً كبيراً ليس في السودان فحسب بل في كل دول المنطقة والجوار.
خارطة طريق للتعافي الاستراتيجي:

يمثل “الإطار البرامجي القطري” الذي وقعه الطرفان خارطة طريق استراتيجية تمتد لثلاث سنوات من 2026 إلى 2028، وتستهدف حشد استثمارات تتجاوز 600 مليون دولار. ويركز الإطار على أربعة محاور رئيسية تشمل استعادة الخدمات الأساسية، والتعافي الاقتصادي، وتحقيق الأمن الغذائي، وبناء المؤسسات والقدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي.
ويشمل البرنامج قطاعات الزراعة المروية والمطرية، والثروة الحيوانية والسمكية، والغابات، والري، مع إدخال مفاهيم حديثة مثل “سلاسل القيمة” و”الصحة الواحدة” بالتنسيق بين وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، ووزارة الصحة، والمجلس الأعلى للبيئة.
كلمة ممثل الفاو في السودان:

رحب السيد هونج يانغ، ممثل منظمة الفاو في السودان، بالحضور الكريم في المؤتمر الصحفي الختامي الذي شهد توقيع الإطار البرامجي القطري، واصفاً إياه بمحطة مهمة في مسيرة التعاون والشراكة بين السودان والمنظمة. وأكد يانغ أن المنظمة تظل شريكاً موثوقاً ووفياً للسودان، حيث تمد يد العون باستمرار وتساهم بفاعلية في دعم التعافي وإعادة إعمار القطاع الزراعي. كما أشار إلى أن الإطار يجسد رؤية مشتركة عكف خبراء من الجانبين على صياغتها لتلبية الأولويات الوطنية، ودعم جهود الدولة في تحقيق الأمن الغذائي، وسيادة الإنتاج، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية، والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، وبناء قطاع زراعي قادر على الإسهام بفاعلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
رؤية الممثل الإقليمي حول استهلاك الوقود والطاقة الشمسية وتذبذب الأمطار:

أوضح الدكتور عبد الحكيم الواعر أن التصميم الهندسي للري في المناطق التي زارها بالسودان، خاصة في مشروع الجزيرة، يعتمد بشكل كبير على الري الانسيابي، مما يقلل الحاجة إلى مضخات تعمل بالديزل لكل مزرعة على حدة. وأكد أن المنظمة تضع الطاقة الشمسية في صلب مخططها العام، ليس فقط لمواجهة التغيرات المناخية، بل لضمان استدامة الأنظمة الزراعية ومحطات رفع المياه في قنوات الري، بعيداً عن تقلبات أسعار الوقود العالمية. كما أشار إلى أن المنظمة تتدخل لسد فجوة نقص الأسمدة والمدخلات الزراعية الحيوية التي تأثرت بسبب اضطراب سلاسل الإمداد العالمية نتيجة التوترات في منطقة مضيق هرمز، مما أدى إلى نقص هذه المواد وارتفاع أسعارها. وفي سياق حديثه عن التحديات المناخية، حذر الدكتور الواعر من أن التوقعات المستقبلية تشير إلى نقص في معدلات هطول الأمطار بنسبة تصل إلى 30% و40% في عدة محافظات، مما سيؤثر بشكل مباشر على قدرة الزراعة المطرية في الإنتاج، مشدداً على ضرورة الاستثمار في الزراعة المروية.
تحديات المؤسسات وآفاق الحلول :
أكد الدكتور عبد الحكيم الواعر أن الحرب ألحقت دماراً كبيراً بمؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً للتعافي، مشيراً إلى تحديات تغير المناخ وتذبذب الأمطار التي تهدد الزراعة المطرية، وضرورة الاستثمار في الزراعة المروية وتأهيل مضخات الري في النيل الأزرق التي يعتمد عليها أكثر من خمسين ألف فدان في ولاية سنار لوحدها.
وأوضح الواعر أن دعم قطاع الزراعة في السودان يمثل استثماراً إقليمياً يعزز الأمن الغذائي لدول الجوار، مؤكداً استمرار المنظمة في توفير الدعم الفني وتطوير السياسات وبناء القدرات، ومرحباً بإصرار الشعب السوداني على الصمود وإعادة البناء.
موقف الحكومة السودانية من الإنتاج والأمن الغذائي:

من جانبه، أكد الدكتور عصمت القرشي، وزير الزراعة والري، أن السودان يمتلك قدرات إنتاجية كبيرة، مشيراً إلى أن ما يثار عن انعدام الأمن الغذائي يعود إلى المناطق التي لا تزال تعاني من آثار الحرب والانتهاكات وهي المناطق التي تحت سيطرة الملي_شيا، حيث قوبلت محاولات الوزارة لإيصال المساعدات الفنية للمزارعين هناك بالرفض والعرقلة. وأوضح الوزير أن الحكومة اتخذت تدابير تمويلية جديدة عبر البنك الزراعي السوداني لتوفير المدخلات والمحروقات للمزارعين، حيث أعلن عن سياسة تمويلية تتيح للبنك تغطية 40% من احتياجات السودان بصيغة السلم، مؤكداً أن الإطار البرامجي الموقع مع “الفاو” يجسد التزاماً مشتركاً بإعادة بناء النظم الإنتاجية واستعادة سبل العيش لملايين السودانيين.







